يستعرض إيلان كابور الدوافع العميقة وراء التصعيد العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، مشيرًا إلى أن الهدف لا يقتصر على الردع النووي أو الأمن الإقليمي، بل يمتد إلى حماية تدفق النفط باعتباره شريان الاقتصاد العالمي. يوضح الكاتب أن الضربات الأخيرة، خاصة استهداف جزيرة خرج، تكشف منطقًا أقدم يحكم السياسة الأمريكية، يقوم على ضمان استمرار حركة الطاقة أكثر من تحقيق نصر عسكري شامل.
توضح الجزيرة أن الضربة الأمريكية على جزيرة خرج، التي تعد أهم محطة لتصدير النفط الإيراني وتقع قرب مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، تعكس حساسية الأسواق العالمية لأي تهديد لإمدادات الطاقة، وتبرز حرص واشنطن على تجنب تعطيل هذا التدفق.
ضربات محسوبة لحماية النفط
استهدفت القوات الأمريكية أهدافًا عسكرية في جزيرة خرج، لكنها تجنبت ضرب البنية التحتية النفطية بشكل متعمد. أعلن دونالد ترامب تدمير كل الأهداف العسكرية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ترك منشآت النفط دون مساس، مع تحذير من تغيير هذا النهج إذا هددت إيران الملاحة في مضيق هرمز.
تكشف هذه المفارقة عن استراتيجية دقيقة؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية دون إحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية. لو استهدفت الضربات منشآت النفط، لارتفعت الأسعار بشكل حاد، ولتعرض الاقتصاد العالمي لاضطراب واسع.
تعكس هذه السياسة استمرار نهج أمريكي طويل منذ عقيدة كارتر عام 1980، التي اعتبرت أمن الطاقة في الخليج مصلحة استراتيجية. تظل حماية تدفق النفط أولوية تتجاوز حتى منطق الصراع العسكري المباشر.
النفط يحكم القرارات العالمية
تتضح هذه الاستراتيجية أكثر عند مقارنة سلوك واشنطن في مناطق أخرى. تصعد الولايات المتحدة ضغوطها على فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، رغم تقديم ذلك في إطار الديمقراطية ومحاربة الفساد. يرتبط الصراع هناك بالسيطرة على إنتاج النفط واتجاهاته في الأسواق العالمية.
كما تخفف واشنطن قيودًا على النفط الروسي رغم التوتر السياسي، بهدف منع ارتفاع الأسعار والحفاظ على استقرار الأسواق. توضح هذه التحركات أن الخصومات الجيوسياسية تخضع أحيانًا لمنطق أكثر أهمية: الحفاظ على تدفق الطاقة.
يمتد هذا النهج أيضًا إلى الموارد المستقبلية، حيث تسعى الولايات المتحدة للوصول إلى المعادن النادرة في جرينلاند وأوكرانيا، التي تعد أساسية للصناعات التكنولوجية والطاقة المتجددة. يعكس ذلك توجهًا استراتيجيًا أوسع للسيطرة على الموارد التي تدعم الاقتصاد العالمي.
الإمبريالية الاستخراجية واستمرار الهيمنة
يكشف هذا النمط عن ما يمكن وصفه بـ"الإمبريالية الاستخراجية"، حيث تركز السياسة الخارجية على تأمين الموارد الحيوية التي تغذي النظام الاقتصادي العالمي. يظل النفط في قلب هذا النظام رغم الحديث المتزايد عن الطاقة المتجددة، إذ تعتمد التجارة العالمية والنقل والصناعة بشكل كبير على الوقود الأحفوري.
تشكل البنية التحتية للطاقة، مثل خطوط الأنابيب وموانئ التصدير وطرق الشحن، عناصر استراتيجية تحظى بحماية خاصة. تظهر ضربة جزيرة خرج هذا الواقع بوضوح؛ إذ استهدفت العمليات الأصول العسكرية، بينما حافظت على تدفق النفط دون تعطيل.
تؤكد هذه المعادلة أن الحرب مع إيران لا تدور فقط حول النفوذ أو الأسلحة، بل حول إدارة نظام عالمي لا يحتمل انقطاع إمدادات الطاقة. تبرز الأولوية الحقيقية في الحفاظ على استقرار الأسواق وضمان استمرار تدفق النفط، حتى في ظل التصعيد العسكري.
في النهاية، يكشف هذا النهج أن النفط ما زال يشكل جوهر الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وأن الخطاب حول الأمن والردع يخفي وراءه هدفًا أكثر ثباتًا: إبقاء النفط متدفقًا مهما كانت كلفة الصراع.
https://www.aljazeera.com/opinions/2026/3/18/the-oil-logic-behind-trumps-war-on-iran

